حين نامت عروبه على كتفى

مقال بعنوان : حين نامت عروبه على كتفى


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عروبه هي ابنتي الكبرى وهي الصغرى في الوقت نفسه، يقولون إن عمرها اليوم يقارب الأربعة أشهر، أما أنا فأصرّ على أن عمرها اليوم 110 أيام، نعم هم يحسبون الأمر تقريبيا أما أنا فأحسبه باليوم، وأتابعها يوما بيوم وهي تكبر وتطول وتزداد ثقلا بين يديّ..

أصابعها وهي تنتفخ -مع مراعاة الحجم الطبيعي لهذا الانتفاخ- بعد أن كانت مجرد إشارات في كفّها في الأيام الأولى، كانت كأنما "رقَّش في ظهر الأديم قلم" كما قال الشاعر الجاهلي، لكن اليوم أصبحت أصابع أتسلى بقبضتها مجتمعة على أصبعي بقوة، وهي "تتمطّع" وتشد أعصابها في استمتاع، فترتفع قدماها إلى أعلى، وتتجمد عروق رقبتها المختفية خلف ملابسها الشتوية المتعددة، بينما تفرد ذراعيها، فتجد أنهما في حالة استطالتهما لا يجاوزان رأسها بحال..

أصبحت نظراتها أكثر تألقا، وعيناها أوضح اكتحالا، وتَحدّد السواد سوادا والبياض بياضا، وأغناني عن رؤية الحواجب رؤية الأهداب الطويلة الفاتنة..

ولأني أحملها يوميا فقد أصبحت يداي ميزانا حساسا لوزن جسدها، صرت أعرف أنها تكبر كل يوم، وتودّع كل يوم قطعة من ملابسها الصغيرة؛ لأنها لم تعد تناسب مقاسها المطّرد، أصبحت طاقياتها الصغيرة القبابية بالكاد تسَعُ رأسها اليوم، وأصبح يظهر من تحتها شعرها الكستنائي الذي أفزعوني حين قالوا إنه سيسقط يوما ما لينبت مكانه الشعر الأصلي، أتحسسه ناعما خفيفا لا يُخفي قاع الرأس الأبيض البريء..

تلعب بي البنت عقلة الأصبع هذه.. تغضب وتبكي وتتشنج، فأهبّ واقفا أحملها أتوسّل إليها ألا تبكي، أبحث بين ثنايا غطائها الملتفّ لعل فيه ما يضايقها، أتحسس يديها.. قدميها، أهزّها في حنان، أخشى أن يسقط رأسها الذي ما زال يتحرك وحده كبندول الساعة حتى الآن، أتوتر، أضطرب.... فإذ بها تبتسم في وداعة لا توصف.. تنفرج شفتاها العنابيتان إلى أعلى بالتدريج حتى تصبح ضحكة فائقة الوداعة، سابقا كنت أهرول إلى الهاتف لألتقط صورة الضحكة التي لا يحيط بها الوصف، لكن بعد وقت صرت أنتظر لأتأملها؛ لتغسل قلبي بصفائها، ولأضحك معها مرة من أعماقي؛ فدائما الحاضر أحلى..

حين أهدهدها بعد نوبة بكاء لا أعرف سببه غالبا، ترتخي يداها وجفناها وجسدها كله فتميل على صدري وتنام، وحينئذ أشعر أن دقات قلبي تتسارع، وأشعر بأني أرتفع كلي إلى أعلى، شعور رائع لم أجربه من قبل أن تأتي عروبه..ولا أدري كيف أصفه الآن، لا لن أقدر على وصفه.. فهل أشبّهه؟ أظن أن بلاغتي تقصر اليوم عن التشبيه، ولكن هو مثل ضمة قوية تجتاحك من الفراغ الذي حولك، فتُشعرك بالاحتواء في حين أنك المحتوِي لا المحتوَى، تفقد للحظة عنصر الجاذبية، فتشعر بأنك ترفرف أو ترتفع عن الأرض وتتخلى عن ارتباطك بالموجودات من حولك للحظة، ربما تترقرق دمعة رقة، ربما ترتجف ارتجافة عطف، ربما تتنهد تنهيدة حب وهذا أضعف الإحساس..

يحدث كل هذا حين تنام عروبه .على كتفي.. وحين أفيق من سكرة الأبوة هذه أغرق في دوامة حمد وشكر لله على نعمة لا تضاهى بغيرها أبدا.








كـلام والـسـلام..

إننا أحياناً قد نعتاد الحزن حتى يصبح جزءاً منا
ونصير جزءاً منه.. وفي بعض الأحيان تعتاد عين الإنسان
على بعض الألوان ويفقد القدرة على أن يرى غيرها .. ولو أنه
حاول أن يرى ما حوله لأكتشف
أن اللون الأسود جميل .. ولكن الأبيض أجمل منه
وأن لون السماء الرمادي يحرك المشاعر والخيال
ولكن لون السماء أصفى في زرقته .. فابحث عن الصفاء ولو كان لحظة .. وابحث عن الوفاء ولو كان متعباً و شاقاً
.. وتمسك بخيوط الشمس حتى ولو كانت بعيده
.. ولا تترك قلبك ومشاعرك وأيامك لأشياء ضاع زمانها